من 1% إلى 27%: كيف مهّدت الجمعية العلمية الملكية – المركز الوطني لبحوث الطاقة الطريق لثورة الطاقة المتجددة في الأردن

يشهد الأردن اليوم واحدة من أهم محطات التحول في تاريخه التنموي، تمثلت في الانتقال المتسارع نحو الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة. ففي غضون عقدٍ واحد فقط، انتقل قطاع الكهرباء من اعتمادٍ شبه كامل على الوقود الاحفوري  المستورد إلى واقعٍ أصبحت فيه الطاقة المتجددة من  الشمس والرياح تولدان ما نسبته 27% من إجمالي الكهرباء المنتجة في المملكة. ويشكّل هذا الإنجاز الوطني، الذي نحتفي به بالتزامن مع يوم الطاقة النظيفة، فرصةً للتأمل في المسار المؤسسي والعلمي الذي مهّد الطريق لهذا التحول التاريخي.

لم يكن هذا التحول وليد الصدفة، ولا نتيجة قرارات آنية، بل جاء ثمرة عملٍ تراكمي طويل قادته مؤسسات وطنية على رأسها وزارة الطاقة والثروة المعدنية والتي آمنت مبكرًا بأن الطاقة المتجددة تشكّل ركيزة أساسية لأمن الطاقة  للتنمية  المستدامة. وقد  برز الدور الريادي الذي اضطلعت به الجمعية العلمية الملكية ممثلةً بالمركز الوطني لبحوث الطاقة، والتي تنظر إلى نسبة 27% لا بوصفها رقمًا إحصائيًا فحسب، بل باعتبارها خلاصة عقودٍ من البحث العلمي والمثابرة التقنية ودعم الجهود الحكومية في التخطيط الاستراتيجي ورسم السياسات .

وقبل أن تتصدر الطاقة المتجددة أجندات العالم، وقبل ما يُعرف اليوم بـ“الطفرة الخضراء”، كانت الجمعية العلمية الملكية، منذ تأسيسها في سبعينيات القرن الماضي، تعمل على بناء قاعدة علمية وتقنية راسخة تمكّن الأردن من استثمار موارده الطبيعية بكفاءة. وقد اضطلع المركز الوطني لبحوث الطاقة بدور الجسر التقني بين السياسات الوطنية الطموحة والتنفيذ العملي على أرض الواقع، مسهمًا في تحويل الرؤية إلى مشاريع قابلة للتنفيذ.

وقد أسهم المركز الوطني لبحوث الطاقة في الجمعية في تمهيد الطريق نحو الاقتصاد الأخضر الأردني من خلال ثلاثة محاور رئيسية شكّلت جوهر خبرته المتراكمة. تمثّل المحور الأول في الريادة المبكرة لتقييم الموارد، حيث بادر المركز إلى إعداد خرائط علمية دقيقة لإمكانات الأردن من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، من خلال تركيب أبراج القياس ومحطات الرصد الجوي، ما وفّر بيانات موثوقة أثبتت الجدوى الاقتصادية لهذه الموارد وعزّز ثقة المستثمرين المحليين والدوليين.

أما المحور الثاني، فتمثل في القيادة التقنية والهندسية. فقد نفّذ المركز أول مشروع صغير للألواح الشمسية الكهروضوئية في الأردن في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، وشارك في إنشاء أولى مزارع الرياح في منطقتي الإبراهيمية عام 1987 وحوفا عام 1996. كما شكّل تنفيذ أول توربين رياح على نطاق تجاري عام 2014 محطة مفصلية في مسار تطوير طاقة الرياح في المملكة. وخلال العقد الأخير، واصلت الجمعية العلمية الملكية دورها المحوري من خلال المشاركة في تطوير أكثر من 200 ميغاواط من مشاريع الطاقة الشمسية الكهروضوئية في مختلف محافظات المملكة، مع الالتزام بأعلى معايير الجودة والكفاءة التقنية.

ويكتمل هذا الدور بمحور ثالث يتمثل في توفير البنية التحتية الداعمة للابتكار، إذ تمتلك الجمعية العلمية الملكية شبكة متكاملة تضم 44 مختبرًا متخصصًا ومعتمدًا محليا ودوليا بما في ذلك مختبرات الطاقة، أسهمت في توفير منظومة وطنية لضمان الجودة والفحص والاعتماد، ودعمت موثوقية مشاريع الطاقة المتجددة واستدامتها على المدى الطويل.

إن الطريق الذي قاد الأردن من 1% إلى 27% من الطاقة المتجددة لم يكن طريقًا سهلًا، بل شُقّ بالبحث العلمي وبناء المعرفة والدعم الحكومي المتواصل، إلى جانب الفهم العميق لخصوصية البيئة الأردنية. ومع ذلك، فإن هذه الرحلة ما تزال مستمرة. فبينما يتطلع الأردن إلى تحقيق هدفه الوطني بالوصول إلى 31% من الطاقة المتجددة بحلول عام 2030، تواصل الجمعية العلمية الملكية – المركز الوطني لبحوث الطاقة دورها الريادي من خلال الابتكار، وتبني التقنيات الخضراء المتقدمة، وتطوير حلول الشبكات الذكية بما يواكب متطلبات المرحلة المقبلة.

ويمثّل هذا الإنجاز قصة نجاح وطنية بامتياز، لا تُنسب إلى مؤسسة واحدة فحسب، بل إلى منظومة وطنية متكاملة آمنت بالعلم طريقًا للتقدم، وبالخبرة ركيزةً لصنع القرار، وبالاستدامة خيارًا استراتيجيًا لمستقبل الأردن.

 


البيت الشمسي في الجمعية العلمية الملكية / المركز الوطني لبحوث الطاقة، 1980